(للإستئناس فقط)
مفهوم العنف
مدخل :
لا ينحصر العنف في شكل مادي واحد (العنف الجسدي - الجنسي - الاقتصادي...) بقدر ما يتعداه ليشمل كذلك بعدا معنويا ورمزيا (العنف النفسي والقانوني). وهو الأمر الذي يشكف الطبيعة المعقدة للعنف، وصعوبة حصره في مظهر واحد. لقد صار العنف فعلا يخترق مجالات عدة (الأسرة - المدرسة – الملاعب الرياضية - المجتمع - الإعلام - الممارسة السياسية- العلاقات الدولية...). لهذا ينبغي عدم التطبيع مع العنف، واعتباره مشاهد مألوفة، بل إن الأمر يستلزم منا لحظات تأمل للتفكير في ماهيته.
يحيل العنف - بداية – في معناه الفلسفي إلى التعسف أو الشطط في استعمال القوة واستخدامها بشكل غير مشروع. كما يدل على كل فعل من شأنه إلحاق الأذى بالذات أو بالغير سواء أكان فردا أم جماعة، وسواء أكان ماديا (محسوسا) أو رمزيا.
إن المتأمل في التاريخ الإنساني سيجده حافلا بصفحات من العنف ( الإستعمار - الحروب الأهلية والطائفية، وحروب الإبادة...والقائمة طويلة )، ولم يتمكن الإنسان من القضاء عليه حتى داخل أرقى أشكال التنظيم الإجتماعي التي تم تأسيسها (الدولة الحديثة). فهل يمكن أن نعزو ذلك إلى كون العنف يضرب بجذوره في الطبيعة (الغريزة ) الإنسانية ؟ أليس العنف وليد جملة من المسببات الثقافية (المكتسبة)؟ وماهي الأشكال التي يتبدى بها العنف؟ ثم ما دوره في التاريخ؟ وأخيرا إلى أي حد يصح التمييز بين عنف مشروع ( يمكن قبوله والمصادقة على استعماله)، وعنف غير مشروع (يستوجب الإدانة)؟
أولا: أشكال العنف
التأطير الإشكالي
ما طبيعة العنف؟ أهو سلوك غريزي في الإنسان، أم أنه وليد شروط موضوعية تاريخية- سياسية – اقتصادية- سوسيوثقافية...)؟ كيف يتمظهر العنف؟ هل ينحصر في بعده المادي (الفيزيائي)، أم يشمل أبعادا رمزية أكثر فعالية؟
علاقة العنف بالإعلام والتكنولوجيا ( تصور إيف ميشو نموذجا)
يستحضر الفيلسوف الفرنسي إيف ميشو مختلف أشكال العنف التي لا تنحصر فيما هو مادي (حروب التحرير – الحروب الأهلية – الإبادات الجماعية- معسكرات الإعتقال – الإجرام – الإرهاب...واللائحة طويلة) بقدر ما تشمل كذلك ماهو معنوي أيضا (التمييز العنصري – عدم التسامح – الإضطهاد...). إلا أن الفيلسوف ركز اهتمامه على العنف الجسدي، مبرزا ارتباطه بالتقدم التكنولوجي وبوسائل الإعلام.
إن ما يميز العنف في عصرنا هذا هو هذا الإستغلال المكثف للتطور التكنولوجي في جعل العنف أكثر تدميرا، وأكثر خطورة ( أسلحة الدمار الشامل مثلا). بل إن هذا التطور التكنولوجي يجعل الشخص يمارس العنف عن بعد، ودون أن يشعر-ربما – بتأنيب الضمير، مادام لا يرى ضحاياه مباشرة. وعلاوة على ذلك فالعنف صار تجارة مربحة غير مفصولة عن المصالح الإقتصادية والسياسية ( التجارة الدولية للأسلحة ). ويثير الفيلسوف استثمار وسائل الإعلام لظاهرة العنف، ونشره بشكل موسع (أفلام "الأكشن"، ألعاب الحروب الإلكترونية ...).
يتخذ العنف مظاهر عدة أهمها العنف الجسدي، ولم هذا العنف مفصولا عن التكنولوجيا والإعلام. فهل بالفعل يعتبر هذا العنف المادي أكثر خطورة؟
العنف الرمزي (دعوى بيير بورديو نموذجا )
اهتم بيير بورديو بمقاربة العنف الرمزي موضحا تأثيره وفعاليته الكبيرة مقارنة بأشكال العنف البوليسي والسياسي (القمع الفيزيائي). ويعزو خطورته تلك إلى كونع غير مرئي، وغير محسوس. فهو عنف لطيف وعذب، ويتم بتواطؤ الفاعلين الاجتماعيين الذي يمارس ضدهم. إنه عف لا يستهدف الجسد الإنساني، ولا يمارس بآليات مادية، بقدر ما يتوجه نحو الفكر والوجدان الإنساني. إنه عنف يتبدى بأشكال رمزية ومادية، ويمارس في حقول وعلى مستويات عدة: اقتصادية واجتماعية وإيديولوجية وتربوية...فهو أكثر اختراقا للمجتمع ككل، ويتغذى على المسلمات والأفكار والمقولات النمطية التي يتم إعادة إنتاجها داخل الحقل الإجتماعي باستمرار، ولهذا لا يتم إدراكه كعنف. فتجد المعنف (الضحية ) متواطئا مع المعنف (الجلاد).
ولنستحضر هنا دور المدرسة (كما كشف بورديو) في إعادة إنتاج التفاوت الطبقي، وتكريس الهيمنة الثقافية لطبقة معينة. ولنتذكر أيضا ترديد المرأة في مجتمعاتنا لمقولات تشكل عنفا رمزيا ضدها ( الأمثال الشعبية التي تحط من قيمة المرأة مثلا). فهل تعدد صور العنف يدل على طابعه الغريزي في الإنسان؟
العنف بين الغريزة والثقافة: (فرويد في مواجهة إريك فروم)
استأثر البحث في أصول العنف وطبيعته باهتمام الفلاسفة والباحثين داخل حقل العلوم الإنسانية. وفي هذا السياق دافعت بعض التصورات عن الطابع الغريزي للعنف، مادامت العدوانية غريزة مشتركة بين الإنسان والحيوان، وما دامت طبيعة الإنسان شريرة (الإنسان ذئب لأخيه الإنسان بتعبير طوماس هوبس). وما يؤيد هذه الدعوى هو كون الحضارة الإنسانية (بمختلف إنتاجاتها) لم تتمكن من القضاء على هذه الظاهرة. ومقابل ذلك يؤكد آخرون ارتباط العنف بشروط مادية واقتصادية أنتجت صراعا طبقيا وعنفا على مر التاريخ (كارل ماركس ).
خلاصة تركيبية
ختاما يبدو أن إدراك ماهية العنف يقتضي استحضار الدوافع الغريزية العدوانية التي تغذيه، والشروط الموضوعية التي تفجره ليتخذ أشكالا عدة. إذ لا يقتصر على ماهو جسدي فيزيائي، لكنه يشمل أيضا أبعادا رمزية ومعنوية فعالة. فأي دور للعنف داخل التاريخ ؟
ثانيا: العنف في التاريخ
الطرح الإشكالي
كيف يحضر العنف داخل التاريخ؟ وإلى أي حد يمكن النظر إليه كمحرك للتاريخ؟ أليس العنف حدثا عابرا في التاريخ؟ ثم هل يتولد العنف نتيجة شروط موضوعية يمكن التغلب عليه، أم أنه نتاج الطبيعة الإنسانية العدوانية؟
الصراع الطبقي محرك التاريخ ( أطروحة كارل ماركس نموذجا)
الصراع الطبقي محرك التاريخ ( أطروحة كارل ماركس نموذجا)
"لم يكن تاريخ أي مجتمع، إلى يومنا هذا، إلا تاريخ الصراع بين الطبقات" بهذه العبارة الواردة في البيان الشيوعي يؤكد كارل ماركس أن الصراع الطبقي محرك التاريخ، باعتباره العامل الأساس في انتقال المجتمعات من نمط إنتاج لآخر ،ومن تشكيلة اجتماعية لأخرى. ولذلك فقراءة التاريخ تتطلب استحضار مفهوم الصراع الطبقي، الذي يتخذ أشكالا اقتصادية و سياسية وإيديولوجية. وإذا كان هذا الصراع يضرب بجذوره في التاريخ الإنساني قديما، فإن ما يميز المجتمع الحديث هو تبسيط الصراع، وحصره في طبقيتين متعارضتين كليا: البورجوازية المالكة لوسائل الإنتاج، و البروليتاريا التي تملك قوة العمل.
وبناء عليه نستخلص أن العنف وليد شروط موضوعية، وأن دوره أساس في تطور التاريخ.
العنف والحق (موقف سيغموند فرويد نموذجا)
يعتبر فرويد أن الطبيعة الإنسانية تتسم بالعدوانية والوحشية، إذ العنف يظل متأصلا في الإنسان (كما أكد توماس هوبس قبل ذلك).وما يدعم هذا القول هو عجز الحضارة الإنسانية عن القضاء على هذه العدوانية. وقد أبرز مؤسس التحليل النفسي أيضا تطور أشكال العنف من اعتماد القوة العضلية إلى الإستناد على التفوق العقلي (إنتاج الأسلحة مثلا).
لقد سعى الإنسان إلى الإرتقاء على طبيعته الحيوانية (العدوانية)، ولم يتأتى ذلك إلا من خلال اتحاد الجماعة التي صارت تنظر إلى قوة الفرد الواحد كعنف في حين أنها تعتبر القوة التي تستعملها ضد الفرد تطبيقا للحق والقانون (عنف مشروع) .
هكذا يتبين أن العنف فطري في الإنسان، وقد أسهم في تأسيس الحق والقانون، باعتبارهما إحدى ركائز بناء الحضارة الإنسانية.
تركيب عام
وعطفا على ما سلف ذكره نقول إن تأمل التاريخ الإنساني يبرز الحضور القوي للعنف. إذ ارتبطت التحولات الاجتماعية وبناء الحضارة الإنسانية بممارسة العنف، فقد كان سببا في صنع التاريخ، وبروز مفاهيم الحق والقانون والمؤسسات. فهل يعني ذلك إضفاء المشروعية على ممارسته؟
ثالثا: العنف والمشروعية
التأطير الإشكالي
هل يمكن التمييز بين عنف مشروع وآخر غير مشروع؟ وإن كان الأمر كذلك فهل يستمد العنف مشروعيته من كونه آلية لإقرار الحق والعدالة؟ أليس العنف إذاء للآخرين، ومن ثمة ينبغي إدانته في جميع الحالات؟
العنف المادي المشروع ( تصور ماكس فيبر نموذجا)
إن العلاقة بين الدولة والعنف جد حميمية كما يبين السوسيولوجي ماكس فيبر، فالدولة تعتمده كآلية لفرض سيطرتها وهيمنتها. وإذا كانت كل التجمعات السياسية السابقة على الدولة استخدمت العنف أيضا، فإن ما يسم الدولة المعاصرة
( القائمة على الشرعية والتعاقد) هو مطالبتها بضرورة احتكار العنف المادي المشروع داخل رقعة جغرافية محددة. وبعبارة أوضح لم يعد مسموحا لأي فرد أو جماعة داخل الدولة المعاصرة بممارسة العنف الجسدي إلا بتفويض منها، وإلا فإن هذا العنف الممارس ينظر له كاستعمال للقوة بشكل غير مشروع (الأمر الذي يستوجب العقاب). وما يعزز مطالبة الدولة باحتكار هذا الحق في استعمال العنف الفيزيائي المشروع هو سعيها لاستتباب الأمن، وتجنيب المجتمع الفوضى.
من هنا أمكننا التمييز بين عنف مشروع (أي عنف الدولة الحديثة) وعنف غير مشروع (أي عنف الأفراد والجماعات). فهل هذا التمييز يبدو مقنعا؟ أليس العنف عنفا مهما كان مصدره؟
مواجهة العنف باللاعنف (دعوى المهاتما غاندي نموذجا)
يرفض غاندي العنف بشكل جذري العنف، ويرى أن مواجهته لا تكون إلا من خلال "التسلح" باللاعنف. فما هي الحجج التي تتأسس عليها هذه الأطروحة؟
إن العنف - دائما – ينبع من رغبة في إلحاق الأذى بالآخرين، من خلال الفعل أو الكلام أو الفكر، ولذلك فهو ينطوي على نية سيئة، الأمر الذي يستوجب منا إدانته ورفضه دوما. إن العنف يظل رذيلة وشرا، وهو قانون النوع الحيواني. وكل محاولة لمواجهة العنف بالعنف ستظل أسيرة حلقة مفرغة من العنف المدمر. فكيف يمكن التصدي للعنف؟
يدعونا غاندي إلى مواجهة العنف باللاعنف، باعتباره إرادة طيبة إزاء كل الكائنات الحية. ويقوم اللاعنف على المقاومة الروحية، التي تنبع من قناعة راسخة بضرورة إدانة العنف، والسعي الدؤوب لتعميم الحب والصداقة في العالم بأسره. وإذا كان العنف مدمرا فإن اللاعنف يبني التعاون والمحبة والثقة بين الناس، وهو قانون النوع الحيواني.
إن هذه القناعة هي التي جعلت الزعيم الهندي يقود مقاومة سلمية (العصيان المدني) ضد المستعمر البريطاني، أتت ثمارها، ومن خلالها انتزع الإستقلال لبلاده.
بهذا المعنى، يتضح أن العنف يظل سلوكا مدانا وغير مشروع بغض النظر عن مصدره وغاياته .
على سبيل الختم
في الأخير يبدو أن إضفاء المشروعية على العنف يقوم على جملة من المبررات أبرزها تجنب الفوضى، وإقرار السلم، وارتباط ممارسته بالقوانين المتعاقد عليها. بيد أن هذا الانتشار المهول للعنف يجعلنا نشكك في مصداقية هاته الحجج. إذ البشرية صارت أقرب إلى التطبيع مع ممارسة العنف، الأمر الذي يقتضي نبذه وإدانته على غرار ما فعل غاندي وكل دعاة السلام العالمي.
اسماعيل فائز
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق